فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو حيان:

{فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدًا}
الخطاب للرسول والمعنى: فإن رجعك الله من سفرك هذا وهو غزوة تبوك.
قيل: ودخول إنْ هنا وهي للممكن وقوعه غالبًا إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم لا يعلم بمستقبلات أمره من أجل وغيره، إلا أن يعلمه الله، وقد صرح بذلك في قوله تعالى: {قل ما كنت بدعًا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} قال نحوه ابن عطية وغيره، إلى طائفة منهم لأنّ منهم من مات، ومنهم من تاب وندم، ومنهم من تخلف لعذر صحيح.
فالطائفة هنا الذين خلصوا في النفاق وثبتوا عليه هكذا قيل.
وإذا كان الضمير في منهم عائدًا على المخلفين الذين خرجوا وكرهوا أن يجاهدوا، فالذي يظهر أنّ ذكر الطائفة هو لأجل أنّ منهم من مات.
قال ابن عطية: ويشبه أن تكون هذه الطائفة قد حتم عليها بالموافاة على النفاق، وعينوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فكيف يترتب على أن يصلي على موتاهم إنْ لم يعينهم.
وقوله: {وماتوا وهم فاسقون}، نص في موافاتهم.
ومما يؤيد هذا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم عينهم لحذيفة بن اليمان، وكانت الصحابة إذا رأوا حذيفة تأخر عن الصلاة على جنازة رجل تأخروا هم عنها.
وروي عن حذيفة أنه قال يومًا: بقي من المنافقين كذا وكذا.
وقال له عمرو بن الخطاب: أنشدك الله أنا منهم؟ فقال: لا والله، لا أمنت منها أحدًا بعدك.
وأمر الله نبيه أن يقول لهم: لن تخرجوا معي هو عقوبة لهم وإظهار لدناءة منزلتهم وسوء حالهم، وهذا هو المقصود في قصة ثعلبة بن حاطب التي تقدمت في الامتناع من أخذ صدقته، ولا خزي أعظم من أن يكون إنسان قد رفضه الشرع ورده كالجمل الأجرب.
قال الزمخشري: فاستأذنوك للخروج يعني إلى غزوة بعد غزوة تبوك، وكان إسقاطهم من ديوان الغزاة عقوبة لهم على تخلفهم الذي علم الله تعالى أنه لم يدعهم إليه إلا النفاق، بخلاف غيرهم من المخلفين انتهى.
وانتقل بالنفي من الشاق عليهم وهو الخروج إلى الغزاة، إلى الأشق وهو قتال العدو، لأنه عظم الجهاد وثمرة الخروج وموضع بارقة السيوف التي تحتها الجنة، ثم علل انتفاء الخروج والقتال بكونهم رضوا بالقعود أول مرة، ورضاهم ناشيء عن نفاقهم وكفرهم وخداعهم وعصيانهم أمر الله في قوله: {وانفروا خفافًا وثقالًا} وقالوا هم: لا تنفروا في الحر، فعلل بالمسبب وهو الرضا الناشيء عن السبب وهو النفاق.
وأول مرة هي الخرجة إلى غزوة تبوك، ومرة مصدر كأنه قيل: أو خرجة دعيتم إليها، لأنها لم تكن أول خرجة خرجها الرسول للغزاة، فلابد من تقييدها، إذ الأولية تقتضي السبق.
وقيل: التقدير أول خرجة خرجها الرسول لغزوة الروم بنفسه.
وقيل: أول مرة قبل الاستئذان.
وقال أبو البقاء: أول مرة ظرف، ونعني ظرف زمان، وهو بعيد.
وقال الزمخشري: (فإن قلت): مرة نكرة وضعت موضع المرات للتفضيل، فلم ذكر اسم التفضيل المضاف إليها وهو دال على واحدة من المرات؟ (قلت): أكثر اللغتين هند.
أكبر النساء، وهي أكبرهن.
ثم إنّ قولك هي كبرى امرأة لا تكاد تعثر عليه، ولكن هي أكبر امرأة، وأول مرة، وآخر مرة انتهى.
فاقعدوا مع الخالفين أي: أقيموا، وليس أمرًا بالقعود الذي هو نظير الجلوس، وإنما المراد منعهم من الخروج معه.
قال أبو عبيدة: الخالف الذي خلف بعد خارج فقعد في رحله، وهو الذي يتخلف عن القوم.
وقيل: الخالفين المخالفين من قولهم: عبد خالف أي: مخالف لمولاه.
وقيل: الإخساء الأدنياء من قولهم: فلان خالفة قومه لاخسهم وأرذلهم.
ودلت هذه الآية على توقي صحبة من يظهر منه مكر وخداع وكيد، وقطع العلقة بينهما، والاحتراز منه.
وعن قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلًا.
قال ابن عطية: والخالفون جميع من تخلف من نساء وصبيان وأهل عذر.
غلب المذكر، فجمع بالواو والنون، وإن كان ثمّ نساء وهو جمع خالف.
وقال قتادة: الخالفون النساء، وهذا مردود.
وقال ابن عباس: هم الرجال.
وقال الطبري: يحتمل قوله في الحالتين أن يريد الفاسدين، فيكون ذلك مأخوذًا من خلف الشيء إذا فسد، ومنه خلوف فم الصائم.
وقرأ مالك بن دينار وعكرمة: مع الخلفين، وهو مقصور من الخالفين كما قال: عددًا وبددًا يريد عاددا وباددا، وكما قال الآخر:
مثل النقي لبده ضرب الظلل

يريد الظلال. اهـ.

.قال أبو السعود:

{فَإِن رَّجَعَكَ الله} الفاء لتفريع الأمرِ الآتي على ما بيِّن من أمرهم والفعلُ من الرجْع المتعدّي دون الرجوع اللازم أي فإن ردّك الله تعالى: {إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ} أي إلى المنافقين من المتخلفين في المدينة فإنّ تخلّف بعضهم إنما كان لعذر عائقٍ مع الإسلام أو إلى من بقيَ من المنافقين المتخلفين بأن ذهب بعضُهم بالموت أو بالغَيبة عن البلد أو بأن لم يستأذِن البعضُ. عن قتادة أنهم كانوا اثنيْ عشرَ رجلًا قيل فيهم ما قيل {فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ} معك إلى غزوة أخرى بعد غزوتِك هذه {فَقُلْ} إخراجًا لهم عن ديوان الغُزاةِ وإبعادًا لمحلهم عن محفِل صُحبتِك {لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تقاتلوا مَعِىَ عَدُوّا} من الأعداء، وهو إخبارٌ في معنى النهي للمبالغة وقد وقع كذلك {إِنَّكُمْ} تعليلٌ لما سلف أي لأنكم {رَضِيتُمْ بالقعود} أي عن الغزوة وفرِحتم بذلك {أَوَّلَ مَرَّةٍ} هي غزوةُ تبوكَ {فاقعدوا} الفاءُ لتفريع الأمرِ بالقعود بطريق العقوبةِ على ما صدر عنهم من الرضا بالقعود أي إذا رضِيتم بالقعود أولَ مرة فاقعُدوا من بعدُ {مَعَ الخالفين} أي المتخلّفين الذين ديدنُهم القعودُ والتخلفُ دائمًا وقرئ الخَلِفين على القصر، فكان محوُ أساميهم من دفتر المجاهدين ولزُّهم في قَرن الخالفين عقوبةً لهم أيَّ عقوبةٍ، وتذكيرُ اسم التفضيل المضاف إلى المؤنث هو الأكثرُ الدائرُ على الألسنة فإنك لا تكاد تستمع قائلًا يقول: هي كبرى امرأةٍ أو أُولى مرة. اهـ.

.قال الألوسي:

{فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ} أي من سفرك، والفاء لتفريع الأمر الآتي على ما بين من أمرهم و{رَجْعُ} هنا متعد بمعنى رد ومصدره الرجع وقد يكون لازمًا ومصدره الرجوع، وأوثر استعمال المتعدي وإن كان استعمال اللازم كثيرًا إشارة إلى أن ذلك السفر لما فيه من الخطر يحتاج الرجوع منه لتأييد الهي ولذا أوثرت كلمة {إن} على إذا أي فإن ردك الله سبحانه: {إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ} أي إلى المنافقين من المتخلفين بناء على أن منهم من لم يكن منافقًا أو إلى من بقي من المنافقين المتخلفين بأن ذهب بعضهم بالموت أو بالغيبة عن البلد أو بأن لم يستأذنك البعض، وقيل: المراد بتلك الطائفة من بقي من المنافقين على نفاقه ولم يتب وليس بذاك.
أخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة أنه قال في الآية: ذكر لنا أنهم كانوا اثنى عشر رجلًا من المنافقين وفيهم قيل ما قيل.
{فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ} معك إلى غزوة أخرى بعد غزوتك هذه التي ردك الله منها بتأييده {فَقُلْ} لهم إهانة لهم على أتم وجه {لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا} ما دمت ودمت {وَلَن تقاتلوا مَعِىَ عَدُوّا} من الأعداء، وهو أخبار في معنى النهي للمبالغة.
وذكر القتال كما قال بعض المحققين لأنه المقصود من الخروج فلو اقتصر على احدهما لكفي إسقاطًا لهم عن مقام الصحبة ومقام الجهاد أو عن ديونا الغزاة وديوان المجاهدين وإظهارًا لكراهة صحبتهم وعدم من الجند أو ذكر الثاني للتأكيد لأنه أصرح في المراد والأول لمطابقته للسؤال، ونظير ذلك:
أقول له ارحل لا تقين عندنا

فإن الثاني أدل على الكراهة {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقعود} عن الخروج معي وفرحتم به {أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي من الخروج فنصب أفعل المضاف على المصدرية، وقيل: على الظرفية الزمانية واستبعده أبو حيان، والظاهر أن هذا الاختلاف للاختلاف في {مَرَّةٍ} ونقل عن أبي البقاء أنها في الأصل مصدر مر يمر ثم استعملت ظرفًا، واختار القاضي البيضاوي بيض الله غرة أحواله النصب على المصدرية وأشار إلى تأنيث الموصوف حيث قال: وأول مرة هي الخرجة إلى عزوة تبوك وذكر أفعل لأن التذكير هو الأكثر في مثل ذلك.
وفي الكشاف أن {مَرَّةٍ} نكرة وضعت موضع المرات للتفضيل، وذكر اسم التفضيل المضاف إليها وهو دال على واحدة من المرات لأن أكثر اللغتين هند أكبر النساء وهي أكبرهن، وهي كبرى مرأة لا تكاد تعثر عليه ولكن هي أكبر امرأة وأول مرة وآخر مرة، وعلل في الكشف عدم العثور على نحو هي كبرى امرأة بأن أفعل فيه مضاف إلى غير المفضل عليه بل إلى العدد المتلبس هو به بيانًا له فكأنه قيل: هي امرأة أكبر من كل واحدة واحدة من النساء، وفي مثله لا يختلف أفعل التفضيل، فالتحقيق أنه لا يشبه ما فيه اللام وإنما المطابقة بين موصوفة وما أضيف إليه ولا مدخل لطباقه في اللفظ والمعنى فتدبر، والجملة في موضع التعليل لما سلف فهي مستأنفة استئنافًا بيانيًا أي لأنكم رضيتم {فاقعدوا مَعَ الخالفين} أي المتخلفين لعدم لياقتهم كالنساء والصبيان والرجال العاجزين، وجمع المذكر للتغليب، واقتصر ابن عباس على الأخير، وتفسير الخالف بالمتخلف هو المأثور عن أكثر المفسرين السلف، وقيل: إنه من خلف بمعنى فسد.
ومنه خلوف فم الصائم لتغير رائحته، والظرف متعلق بما عنده أو بمحذوف وقع حالًا من ضمير الجمع، والفاء لتفريع الأمر بالقعود بطريق العقوبة على ما صدر منهم من الرضا بالقعود أي إذا رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا من بعد.
وقرأ عكرمة {الخلفين} بوزن حذرين ولعله صفة مشبهة مثله، وقيل: هو مقصور من الخالفين إذ لم يثبت استعماله كذلك على أنه صفة مشبهة. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ} الفاء للتفريع على ما آذن به قوله: {قل نار جهنم أشد حرًا} [التوبة: 81] إذ فرّع على الغضب عليهم وتهديدهم عقاب آخر لهم، بإبعادهم عن مشاركة المسلمين في غزواتهم.
وفعل رجع يكون قاصرًا ومتعدّيًا مرادفًا لأرجع.
وهو هنا متعدّ، أي أرجعك الله.
وجعل الإرجاع إلى طائفة من المنافقين المخلّفين على وجه الإيجاز لأنّ المقصود الإرجاع إلى الحديث معهم في مثل القصة المتحدّث عنها بقرينة قوله: {فاستئذنوك للخروج} ولمّا كان المقصود بيان معاملته مع طائفة، اختُصر الكلام، فقيل: {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم}، وليس المراد الإرجاع الحقيقي كما جرت عليه عبارات أكثر المفسّرين وجعلوه الإرجاع من سفَر تبوك مع أنّ السورة كلّها نزلت بعد غزوة تبوك بل المراد المجازي، أي تكرّر الخوض معهم مرّة أخرى.
والطائفة: الجماعة وتقدّمت في قوله تعالى: {يغشى طائفة منكم} في سورة آل عمران (154).
أو قوله: {فلتقم طائفة منهم معك} في سورة النساء (102).
والمراد بالطّائفة هنا جماعة من المخلّفين دل عليها قوله: {فاستئذنوك للخروج} أي إلى طائفة منهم يبتغون الخروج للغزو، فيجوز أن تكون هذه الطائفة من المنافقين أرادوا الخروج للغزو طمعًا في الغنيمة أو نحو ذلك.
ويجوز أن يكون طائفة من المخلّفين تابوا وأسلموا فاستأذنوا للخروج للغزو.
وعلى الوجهين يحتملُ أنّ منعهم من الخروج للخوف من غدرهم إن كانوا منافقين أو لمجرّد التأديب لهم إن كانوا قد تابوا وآمنوا.
وما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم صالح للوجهين.